2008-01-23 - فساد و تطرف و رعب و اغتصاب
مظاهرات و ديسكو و تطرف و اغتصاب و تستر و تعذيب داخل اقسام الشرطة فوضى و صراع مكتوم تلك ابرز مفردات اخر افلام المخرج يوسف شاهين هي فوضى قبل ان تصر الاجهزة الرقابية في مصر على اضافة علامة استفهام بعد العنوان ليصبح المعنى منفيا بدلا من ان يكون مثبتا و مؤكدا لكن الجمهور بعد دخول الفيلم و حذف مشاهد و عبارات اخرى رأت الرقابة انها تحرض على الثورة لا يشعر بعلامة الاستفهام بل يصبح متاكد من حقيقة واحدة وهي ان حجم الفوضى و الفساد قد وصل الى قمته و انه فيلم تحريضي من الدرجة الاولى.
فيلم هي فوضى الذي كتب له السيناريو و الحوار ناصر عبد الرحمن هو الاكثر جرأة في تاريخ السينما المصرية السياسية و الاجتماعية المعاصرة بعد تواري جيل الثمانينات من مخرجي موجة الواعية الجديدة في مصر ظهرت سينما تهرب من النقد الى الضحك و الجنس و التهريج حتى النخاع و كانت تظهر محاولات طفيفة هنا او هناك لذر الرماد في العيون لكن الرقابة برئاسة علي ابو شادي كانت لهذه المحاولات بالمرصاد كما حدث مع فيلم ظاظا رئيس جمهورية و امام اصرار و قوة يوسف شاهين تراجعت الرقابة هذه المرة عدة خطوات و اكتفت ببعض المشاهد و علامات استفهام لم تفلح في محو رسالة فيلم تحريضي يقدم فاصلا طويلا و مرعبا مما يحدث في مصر الان.
في فيلم شاهين يعود مخرجنا الى عالمه الاثير في الشارع و بين الناس او الجموع كما يجب ان يطلق عليهم انه يتجاوز مرحلة السيرة الذاتية التي سرقته بعيدا لسنوات ليعود الى منطقته الارض و العصفور و الاختيار و عودة الابن الضال و باب الحديد انه يقدم شهادته على العصر بالطريقة المحببة له ولنا ففي اول مشاهد الفيلم و عبر استهلالات عدة يختلط فيها التسجيلي بالدرامى سوف نرى واحدة من اصخب و اروع المشاهد المصورة لمظاهرات الكتل البشرية التي يحاصرها الامن و تطيح بها قوات الامن المركزي ويختلط فيها الحابل بالنابل لتصبح الفوضى هي العنوان و المستهل قبل ان يختم بها فيلمه حين تندفع الجموع الهادرة نحو قسم الشرطة الذي شهد كل التجاوزات لتقذفه بالحجارة و لتصبح هي المطاردة لأمين المنسحقة تحت اقدام و بيادات احذية جنود الامن المركزي
و الفيلم يحكي عن حاتم امين الشرطة بقسم شبرا وهو يقطن في حي شعبي و جار لنور الحسناء ابنة بهية و هي شابة تعمل بالتدريس في مدرسة ناظرتها وداد ام وكيل النيابة الشاب التي تهواه نور ويدعى شريف و يستعرض الفيلم فساد امين الشرطة المحمي بمأمور القسم المهزوز نسبيا و المرتبك مع عدم تقدير واضح لحجم المسؤولية و حاتم الاقرب الى الحاكم الذي يأمره بفعل انواع التجاوزات و في وضح النهار بدءأ من التنكيل بالمعتقلين السياسيين و نصب سلخانات التعذيب الجماعي لهم واتهاء بالرشوة و الابتزاز قبل ان يضيف السيناريو بعدا نفسيا للشخصية الاقرب للسيكوباتية حيث يتلذذ بالتعذيب و فرض نفوذه بأي ثمن حتى يصل للذروة مع قيامة باغتصاب نور التي احبها بطريقته الخاصة وحاول بذلك ان يستولي عليها من وكيل النيابة الشاب و يضطر الى الانتحار في النهاية بعد حصار القسم و الجماهير و تضييق الخناق حول جرائمه وفي سياق هذه الحكاية تتجلى الفوضى و يبدو النقد مباشرا و كذلك الجهل و سيطرة السلطة لكن يقدم في المقابل رموزا نمطية على طريقة بهية التي هي مصر التي تقاوم و تحرض و تتصدى و نور هي الاخرى امتداد لشخصية ماجدة الرومي في عودة الابن الضال و شريف هو وكيل النيابة الذي يتصدى لفساد حاتم و ان كانت المواجهة هنا تذكرنا بمواجهة ليست ببعيدة حدثت مؤخرا بين الشرطة و النيابة اثناء ضرب احد القضاة و التحرش به وما زالت تداعيات من هذا النوع من المواجهة الغير معلنه بين السلطة القضائية و السلظة التنفيذية تلقى بظلالها على الاحداث في مصر المعاصرة.
على جانب اخر ترض المباشرة و الصخب نفسيهما على معظم مشاهد الفيلم وهو الاسلوب الذي يتبناه المخرج خالد يوسف الذي وضع شاهين اسمه بجواره على الفيلم ليؤكد على دوره خصوصا ان شاهين مريض و كبير السن فالنبرة الصاخبة و الافراط في مشاهد من نوعية وجود لافته المعارض الناصري حمدين صباحي يتحدث بالفصحى و حتى مشاهد العاهرات في السجن و حمص الشام على كورنيش النيل كلها كلاشيهات لخالد و ان كانت بعيدة عن اسلوب يوسف الاكثر نعومة و فنا ربما لهذا السبب يصبح هي فوضى مزيجا من اسلوبين الاول يميل الى الرمز و الفن الساحر الغامض احيانا و الثاني اكثر شعبية و بساطة و ربما فجاجة لكنه على اي حال ليس خليطا منفردا او رديئا إن كانت الجرأة تكفيه فهناك ايضا اضاءة رمسيس مرزوق صاحب المعالجة البصرية البسيطة و الواقعية المتناغمة مع احداث الفيلم مع تمييز اضاءة شقة حاتم المرتبطة بقتامته النفسية كما لا نلحظ اي فرق بين التسجيلي و المصور للفيلم في مشاهد المظاهرات و ديكور حامد حمدان مناسب لأجواء العمل و موسيقى ياسر عبد الرحمن مكررة لكنها مناسبة و أداء الممثلين في افضل صورة خصوصا خالد صالح ذلك الممثل الداهية الذي صار نجما و غول تمثيل لهذا العصر بكل المقاييس خصوصا مع شخصية مركبة و صعبة بحجم حاتم و كذلك منة شلبي التي تتطور يوما بعد يوم و هالة صدقي التي ارتبطت بابنها بمشاعر تختلط فيها الادبية بالامتلاك والارتباط المركب كذلك احمد فؤاد سليم و عمر عبد الجليل و يوسف الشريف وكيل النيابة المأزوم مع امرأة متحررة.
ثم تحوله نحو نور بعد فقد الجنين وممثل المواجهة بين العدالة و القانون ثم المونتاج الذي تدفق في النصف الاول ثم ترهل في المنتصف و عاود تدفقه في النهاية باختصار نحن بصدد فيلم جريء في زمن ولت فيه السينما الجريئة حتى وان شابه بعض القصور الفني و الصخب الزائد فإذا شاهدت مظاهرات متقنة و رقصة محبوكة في صالة ديسكو او على كوبري في باريس او حتى القناطر اذا شاهدت جموعا هادرة و أنين المهزومين و صرخة تطالب بالتغيير فتأكد انك امام فيلم ليوسف شاهين حتى وان بدت بعض التهتهة في الحوار او الرؤية او انضم مخرج اخر مثل خالد يوسف.