2007-12-23 - لو كنت مكان كاتب السيناريو في الفيلم الامريكي الكندي ذا بريف ون البادي اظلم اخراج الروائي الايرلندي نيل جوردون لكررت الف مرة و انت تكتب وتتسائل بقلق من تكون هذه الممثلة التي تستطيع تحمل كل هذا المخزون من المشاعر الحادة لكن طالما ان هناك ممثلة عقدة من نوعية جودي فوستر تتجلى في الادوار المركبة و تملك موهبة مخيفة احيانا فليكتب ما يريد وهو مطمئن لقدرتها على تحويل الحلم الى حقيقة
اشترك مؤلف القصة و كاتبا السيناريو رودريك تايلور و بروس تايلور مع شريك السيناريو الثالث سنيثا مورت في محاضرة البطلة تحت ضغط هائل و مشاهدة ردود أفعالها بحرية حيث تعودت اريكا باين جودي فوستر في برنامجها الاذاعي الناجح ستؤيت ووك على منح شوارع نيويورك و أهلها البطولة المطلقة تعودت ان تسمعهم وهم لا يسمعونها كانت مكتفية بخطيبها الطبيب ديفيد كرماني نافيين اندروز وانهاكهما في الاستعداد للزواج لكنهما قابلا ثلاثيا مؤذيا جدا قتلوا حبيبها و دمروا حياتها دون سابق معرفة او سبب.يعتبر الفيلم نموذجا جميلا لكيفية حدوث تحولات الشخصية تحت سيطرة بنية سيكلوجية مدروسة بعد الحادث لم تعد اريكا هي اريكا لقد اجبروها على القاء صورتها القديمة بموجبها وسالبها لكنها في النهاية اصبحت اقوى حتى لم تكن تحب.قام المخرج مع مدير التصوير فيليب روسيلوت بتحديد عدة اتجاهات محسوسة تعادل مختلف اتجاهات الشخصية بداية بالمشهد الافتتاحي و التقاط الكاميرات في سماء نيويورك النهارية الصامتة ثم تباطؤها الى اسفل حتى ارض الشارع و البشر المنتشرين ثم تركيزها على اريكا التي تسجل كل هذا بميكروفونها المفتوح دائما اي ان المسار يبدأ بالفراغ و المطلق و يتجه الى ملىء المساحات و التجسيد الملموس قبل الحادث كانت الكاميرات منشغلة بإريكا وحدها بزاوايا و كادرات معتادة مسالمة تفرح بها بعد الحادث مباشرة و انطلقت تسبق السيدة المصدومة في غدر الدنيا لتنوب عنها في استكشاف الطريق في مرحلة الخوف من فتح باب العمارة و مواجهة العالم و بعد يأس اريكا من البوليس و أثناء قرارها الانتقام بنفسها بشراء المسدس تعهدت الكاميرات بملازمتها عن قرب واضح و كأنها مندهشة من اريكا الجديدة وتود التعرف عليها من جديد وبعد قتل اريكا الضحية الاولى بالمصادفة في سوبر ماركت دفاعا عن نفسها ضد هذا المؤذي الذي قتل زوجته لحرمانه من رؤية أطفاله اهتز الاتزان الانفعالي للكاميرات و راحت تبتعد و تقترب بشيء من الهلوسة البصرية عن اريكا القاتلة الخائفة جدا في جلدها بيديها المرتعشتين من محاولة ابادتها ثانية من دون ذنب.
وبعد ضحيتها الثانية واجهتها الكاميرات بشكل مصدوم كبطلة وحيدة فيداها خاصمت الارتعاش و طلقاتها أصبحت اكثر دقة و أعصابها بردت واصرارها توحش دعم المخرج هذه المرحلات المكوكية بزرع حركة المترو في الخلفية المتباينة باتجاهاته و سرعاته المختلفة حتى ان الجريمة الثانية وقعت داخل المترو ذاته.
صنع المونتاج توني لاوسون قفزات قصيرة و طويلة زمنيا و سيكلوجيا تخص البطلة و استخدم المونتاج المتوازي ما بين البطلة و المفتش الاسمر الطيب ميرسر تيرنس هوارد بمعدل متصاعد حتى جمع بينهما بفكرة منطقية.
بعد حادث الاعتداء على اريكا و خطيبها كنا ننتظر قطع المونتاج على حال البطلة في المستشفى مباشرة لكنه فاجأنا بالقطع على حادث قتل مفجع ارتكبه كالعادة الثري مورو جوردون ماكدونالد الذي يفتش ميرسي عن دليل ادانته منذ ثلاث سنوات بلا جدوى و كأن ميرسر سلطة فاقدة للسلطة
ومع تعدد الضحايا و انقاذ اريكا للكثيرين بمسدسها الحازم و ايمانها بنفسها في تحقيق العدالة المفقودة يطرح الفيلم تشريحا كئيبا لمجتمع نيويورك العنيف جدا كحالة جمعية بما يعني عدم تعاملنا مع هذا الفيلم كجريمة فردية والا نكون سطحنا رسالته بما لا يستحق وقد انتظم المخرج بمجموعة علامات مستمرة متباينة الدلالات مثل سلسلة الحبيب الضحية التي يتدلى منها صليب وتعلقها اريكا في عنقها كذكرى حية لكنها في النهاية علامة دينية صريحة تطرح للمناقشة مفهوم التسامح الاخلاقي المثالي المختل في نيويورك التي يسخرون منها بوصفها اكثر المدن امانا في العالم كالعادة يتصاعد عبث اصابع البطلة في شعرها مع تصاعد رغبتها في اخفاء ندبة جبينها من اثر الحادث فهي تريد محوها وتذكرها في الوقت نفسه كلما اشتد تخبطها الداخلي في حوار داخلي مع نفسها لا يهدأ.وظف المخرج الكاسيت الخاص بالبطلة و تسجيلها كل شيء حتى الجرائم لا لتسمع صوتها بل لترى نفسها في مرآتها الجديدة هذه المرآة المشتعلة التي حاولت الجارة السمراء الطيبة لأريكا حماية زجاجها من الانفجار في وجهها بمنحها ولو واحد في المائة من الامل في الامان.
تعقدت حياة اريكا و تعقدت معها نقلات موسيقى داريو ماريانيللي من همهمات حذرة الى دقات خجلة على البيانو الى جمل عصبية الى ايقاعات تصرخ خوفا على البطلة ومنها ايضا و ربما شفقة عليها لأن فجأة القدر فجرت داخلها طاقة الغضب و العنف ظلما و قهرا وانتقاما بعكس ملابس اريكا العملية الداكنة وخلوها تقريبا من الروح و إغراءات الذكرى اختارت كاثرين ماري توماس ملابس المخبر ميرسر انيقة جدا برباط عنق مشدود يكاد يخنقه وعصابة عينيه الشهيرة التي يعجز بسببها ميرسر عن التصدي لمجرمين يعرفهم بالاسم لكن دون أدلة كافية.
من أفضل مشاهد جودي فوستر ارتعاش يديها بشدة وهي تطلق الرصاص على المخبر ميرسر بالاتفاق معه بعدما انتقمت من قاتلي حبيبها فيما يعود تحولا هائلا في شخصية المخبر ومبادئه القانونية الكلاسيكية الملتزمة بعد راحة الانتقام انتهى المخرج عكس الاتجاه من الشارع المحسوس الى السماء المجردة بعد زرع المساحة بينهما بما يريد.